حاج ملا هادي السبزواري
299
شرح المنظومة
فضلا عن أن يكون له ضدّا وندّا وتباين ليس قرى وراء عبّادان - مثل معروف - وكلما جاوز شيء حده [ 43 ] كالقرب ، والفقر تبدّي ضدّه ، إشارة إلى قاعدة عرفانية . قال العرفاء الشامخون : « إذا جاوز الشيء ، حدّه انعكس ضدّه ، فالقرب إذا جاوز حدّه [ 44 ] و [ 45 ] وبلغ نهايته ، انعكس إلى البعد ، وكذا الفقر إلى الغنى ، والظهور إلى الخفاء » .
--> إلى إبراهيم بن عبد الحميد قال : سمعت أبا الحسن عليه السلام ( يعني ثامن الحجج علي بن موسى الرضا صلوات اللّه عليهما ) يقول في سجوده : « يا من علا فلا شيء فوقه ، يا من دنا فلا شيء دونه اغفر لي ولأصحابي » . ( ح . ح ) [ 43 ] قد تقدم بعض الإشارات في ذلك في أول غرر الفرائد في بيان قوله : « يا من هو اختفى لفرط نوره . . . » ( ج 2 - ص 44 - من هذا الطبع ) . ( ح . ح ) [ 44 ] كيف لم يجاوز الحد قربه وبلسان الشرع يحول بين المرء وقلبه ، والقلب المعنوي هو النفس الناطقة وهي صورة الإنسان بمعنى ما به فعليته وأيضا هي فصله الحقيقي ، فكأنه قيل : يحول بين مادته وصورته ، ويحول بين مادته وصورته ، ويحول بين جنسه الطبيعي وفصله ، ومعلوم أن غريب الشيء لا يتخطى هنا وبلسان الحكمة الوجوب مقوم لكل وجود أتم من تقويم الجنس والفصل لشيئية ماهية النوع ، فكما أنه لا يمكن خلو الماهية النوعية عن ماهيّة الجنس وماهيّة الفصل ، لأن الذاتي لا يتخلّف ، ولو خلّت عنهما لم تبق ماهية نوعية . كذلك تخلية الوجود عن الوجوب مجرد فرض كاذب ، فلا يمكن للعقل ملاحظة المجعول بالذات مع عزل النظر عن جاعله . فكيف عن الجاعل الحق المطلق القيّوم المقيم لكل شيء فالقرب الكذائي انعكس البعد ، والفقر إذا جاوز الحد بأن يكون الفقير في جميع أفعاله مفتقرا إلى حول اللّه وقوته وفي جميع صفاته إلى صفته وفي وجوده وذاته إلى ذاته ، كما عرفت التقويم والتقوم انعكس الغنى ، والعبودية إذا كانت بحيث لا يملك العبد حولا وقوة وصفة كمال ووجودا وذاتا كما قالوا : « العبد لا يملك شيئا » والعبد وما في يده كان لمولاه ، انعكس المولوية بمولوية المولى الحقيقي ، « نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ » * . كما في الحديث : « العبودية جوهرة كنهها الربوبية » . ولهذا تقدم في الشهادة على الرسالة والظهور ، إذا جاوز حده كما في حقيقة النور التي هي حقيقة الوجود ، فإن النور الحسي ظاهر بالذات ومظهر للمبصرات فقط ، وحقيقة الوجود ظاهرة بالذات ومظهرة لجميع الماهيات المحسوسات والمتخيّلات والموهومات والمعقولات في الأمر والخلق وما هو فوق الأمر والخلق ومع هذا الظهور والإظهار لا غطاء وجودي ولا حجاب ثبوتي ، وإلّا لزم المحدودية ، بل الحجاب عدمي لأنه ليس إلّا قصور المدارك ، والقصور عدمي فانعكس الخفاء . [ 45 ] هذا الوجه الوجيه الشريف المنيع من القرب والبعد يرزق به العارفون باللّه الفائزون بمنقبتي العلم و